الجَرَّة المشروخة: رسائل من حادثة الإفك

Herkul | | العربية


   سؤال: ما الرسائل الموجهة إلى المؤمنين في الآية الكريمة: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/16) المتعلقة بحادثة الإفك؟

   الجواب: نزلت هذه الآية الكريمة في حادثة خاصة إلا أن الحكم الذي تتضمنه يشمل المؤمنين أجمعين؛ فهناك قاعدة مهمة في الأصول تنصّ على أن “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، وبعبارة أوضح: بينما تبين هذه الآية الكريمة لسادتنا الصحابة الكرام كيف ينبغي لهم أن يتصرفوا إزاء هذا الافتراء القبيح بحق أمّنا عائشة رضي الله عنها، فإنها في الوقت ذاته تُعَلِّم من سيأتي بعد ذلك من المؤمنين ماذا يقولون وكيف يتصرفون إذا ما تعرضوا لافتراءات من هذا القبيل.

معلومٌ أن المنافقين قد أتوا بافتراءٍ وبهتان عظيم بشأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أثناء العودة من غزوة “بني المصطلق”، وعملوا على نشرِ هذه الفرية بين المسلمين، لدرجة أن بعض المسلمين المخلصين انجرفوا مع هذا التيار تأثرًا بالحالة النفسية العامة، وردّدوا هم أيضًا ما تقوله المنافقون هنا وهناك، وقد هزّت هذه الحادثة مفخرةَ الإنسانية صلى الله عليه وسلم وبيت سيدنا أبي بكر الصديق من الأعماق؛ حتى إن الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي هي رمز العفة والعصمة والوقار صارت طريحة الفراش، ولم يرقأ لها دمع إزاء هذا الافتراء العظيم.

إلى أن نزل القرآن الكريم بالتزكية التامة والتبرئة الكاملة لأمنا عائشة رضي الله عنها بأكثر من خمسٍ وعشرين آية كريمة، وما زادت تلك الآيات أمَّنا عائشة إلا رفعةً ومنزلة، وبيَّنت أنها بكل صفاتها وسماتها جديرةٌ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ولا زالت هذه الآيات الواردة في سورة النور تعكس نورانيَّتَها، وسيظل جميع المؤمنين إلى يوم القيامة يصدحون مرات ومرات بطهرها ونقائها وسمو منزلتها، فإن أثار شخصٌ ما بعضًا من الأفكار والتصريحات والادعاءات السلبية بحقّها رضي الله عنها بعد أن برَّأها القرآن الكريم فقد خرج من الدين بحسب ما ذكره العلماء؛ لأنه يخالف بذلك النصَّ القطعيَّ للقرآن الكريم.

   سترُ الخطايا

من الأمور التي تستدعي الأسف أن الغيبة والوشاية بالناس والافتراء عليهم أصبح بضاعة رخيصة في يومنا هذا، ولذلك يغتابُ الناسُ بعضُهم بعضًا بأريحية شديدة، يحدث هذا في حين أن الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (سورة الْحُجُرَاتِ: 49/6) تدعو المؤمنين إلى التزام الدقة والحذر في هذا الصدد، وأن يتحرّوا الخبر الصادق من الكاذب، وأن يعرفوا ما إذا كان يستند إلى دليل أم لا.

 

فضلًا عن ذلك فإنه ليس من الصواب الحديث عن ذلك الخبر وترويجه يمنة ويسرة حتى وإن اتضح بعد التحقق منه أنه حقيقي وليس افتراءً؛ ذلك أن إخبار الآخرين بمجموعة من المساوئ التي اطلع عليها شخصٌ ما ليس أمرًا إلزاميًّا ولا تعبديًّا أيضًا، فلا ريب أنَّ هناك مجموعة من التدابير يلزم اتخاذها حفاظًا على سلامة المجتمع، وحيلولةً دون وقوع الأخطاء والآثام التي أصبحت مرضًا متفشيًا على مستوى المجتمع، ولا ريب أن إفشاءَ العيوب الشخصية وفضحَ مرتكبيها أو استغلال الافتراءات المزعومة ليس تصرّفًا يليق بالمؤمن.

وعليه فإنني أريد أن أنقل هنا ملاحظة للإمام أبي سعيد الخادمي[1] في هذا الصدد؛ إذ قال ما مفاده: عندما ترى مؤمنًا يرتكب منكرًا أَعِد النظر كي تتأكّد من الأمر، فإن لم يكن؛ فامسح عينيك ودقق النظر من جديد، ربما تكون أخطأتَ، اُنظُر مرة أخرى، وحتى بعد أن تنظر عشر مرات وتتأكد مما رأيت فقل: (اللهم أخرجه من هذا الوضع القبيح، ولا تُردني في ذنب كهذا)، وابرحْ ذلك المكان… إن السيد خادمي شخصٌ جليل، وإنني أُكِنُّ له احترامًا كبيرًا؛ فعندما سمعتُ عبارته هذه للمرة الأولى حدّثت نفسي قائلًا: “يا إمام! لماذا لم تقلْ لمن يرى حادثةً كهذا أنْ يولّها ظهره من أول نظرة، ويبرح المكان!” لأننا لسنا نوّابًا عموميين ولا محققين مع الآخرين.

وكذلك فإن التصرف اللائق بالمؤمن عندما يأتيه خبرٌ كهذا بحق الآخرين هو أن يقول: “هذا افتراء بيِّنٌ”، لأن حديث الناس بعضهم ضد بعض وغمزهم ولَـمْزَهم وتهويلهم أبسطَ الحوادث وتحديثَهم الآخرين عنها إنما يفتحُ أبواب الفتنة ويضع مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة بعضهم ضد بعضٍ، لهذا قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ[2] أي: نمّام. ومن هنا ندرك عظم هذا الذنب وشناعته.

   سدُّ الطرق أمام ظهور الافتراءات

إن حصر المسألة في حيِّز الذنوب الشخصية فحسب لهو تضييق لمعناها وفحواها، فهذه الآية الكريمة تُشير في الأساس إلى طبيعة التصرّف الواجب التزامه إزاء الادعاءات والافتراءات المزيَّفة التي تُلقى بشأن شريحة معينة من المجتمع، فبمقتضى أمر الآية الكريمة يمكن القول: إن ما يقع على كاهل المؤمنين تجاه مثل هذه الافتراءات هو أن يقولوا: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/16)

فإن لم يكن ثمة حزم في هذه القضية ولم يُقطع السبيل أمام الافتراءات منذ اللحظة الأولى حدثت حزمةٌ من الانكسارات والتصدعات في المجتمع وسيستحيل التغلُّبُ على هذه الأمور لاحقًا؛ لأنه إن لم تتم السيطرة على الافتراء بمجرد ظهوره تفاقمَ أكثر وأكثر يومًا بعد يوم، فتتحطم القلوب، ويتزعزع شعور الثقة بين الناس، وتتشتَّتُ وحدة المجتمع ويتفرّق شمله، فأنى لمجتمعٍ قد فُقِدت الثقةُ والوفاق والاتفاق بين أفراده أن يحظى بالتوفيق الإلهي.

والآية الكريمة الأخرى التي وردت أيضًا في حادثة الإفك تبيّن وتوضّح كيفية التعامل مع مثل هذه الافتراءات التي ستقع في العصور اللاحقة، يقول تعالى: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (سورة النُّورِ: 24/12)

إذًا إن الحرصَ على قول “هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ” بشأن مثل هذه الحوادث من مقتضيات حسن الظن عند المؤمن الحق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ[3]، وبالتالي فإنَّ من لا يُروجون مثل هذه الافتراءات ويتخذون موقفًا واضحًا إزاءها على اعتبار أن فعلهم ذلك من مقتضيات حسن الظن بإخوانهم المؤمنين؛ قد أدّوا حق إرادتهم، ونالوا ثوابَ ذلك، ربما أن أفعالًا مثل حسن الظن بالمؤمنين، والعزم والإصرار على ذلك، وإمساكِ اللسان تجاه الشائعات التي تُختلق بحقهم تبدو أمورًا بسيطة في الظاهر؛ لكنها في الحقيقة أعمال مهمة للغاية بالنسبة للإسلام.

من جانب آخر لو قام المؤمنون بإظهار موقفهم علانية إزاء مثل هذه الأكاذيب إلى جانب صيانتهم ألسنتهم عن الخوض فيها لقُطعتْ السبل دون وقوع فتن المنافقين ومفاسدهم، وأمام هذه العزيمة التي يتمسك بها محبو الحق والحقيقة تُبهتُ وتخرصُ شبكةُ النفاق التي تعبث بشرف المؤمنين وحيثياتهم من خلال الترويج لأخبار كاذبة وافتراءات وقحة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (سورة النُّورِ: 24/11) يُفهَمُ منها أن مختلقي مثل هذه الافتراءات هم بضعة أفراد في معظم الوقت.. وقد يرمي بعضُ المنافقين المتخفين في صورة المؤمنين مثل هذه الافتراءات والأكاذيب بشكل منظم بقصد تشويه فئات معينة من المجتمع والتقليل من قيمتها، وربما يسعون إلى نشر هذه الافتراءات في المجتمع مستخدمين وسائل الإعلام بغيةَ التأثير أكثر فأكثر، فإن لم يقف -في مثل هذه المواقف- المؤمنون المخلصون خلف إخوانهم المتعرضين للافتراءات والأكاذيب ويدافعوا عنهم أثَّرَتْ هذه الأخبار التي لا أساس لها من الصحة على المجتمع بأكمله، وعليه فمن المهم للغاية إسكات تلك الأصوات النشاز من البداية، والوقوف إلى جنب من يتعرضون لهذه الافتراءات، والسبيل إلى ذلك هو أن يرفع المؤمنون أصواتهم بالحق مستغلين كلّ الوسائل المشروعة في سبيل ذلك، وأن يعبروا عن أنفسهم كما ينبغي.

لا ينبغي أن تُقصر المسألة على نصرة المسلمين فحسب، بل يجب دعمُ كلِّ من يتعرّض للظُلم والافتراء بغض النظر عن دينه وعرقه ومعتقده، ولنفترض أن مجموعة من الشائعات رُوِّجت بحق أفراد مسيحيين أو يهود أو غير ذلك؛ فإن محاولة أي مسلم الاستفادة منها لصالح نفسه أو اعتباره إياها عنصرًا لتحقيق مكسب ما أمرٌ لا يتوافق إطلاقًا مع قيم الدين الإسلامي الذي ينتسب إليه، وما عليه هو أن يردها بعرض يده؛ إذ يجب عليه التصرّف بحذر ودقّة إزاء الأمور التي من شأنها الإضرار بشرف الناس -جميع الناس، بغضّ النظر عن الانتماءات العرقية أو الدينية وغيرها- وكرامتهم وحيثيتهم، وينبغي أن يكون هذا خلقًا عامًا لأي مؤمنٍ.

***

[1]  محمد بن محمد بن مصطفى بن عثمان، أبو سعيد الخادمي (1113-1176 هـ): فقيهٌ أصولي، من علماء الحنفية، أصله من بخارى، ومولده ووفاته في قرية “خادم” من توابع مدينة “قونية” التركية، قرأ على أبيه وغيره، ونال الشهرة الواسعة بعدما ألقى درسًا في “أياصوفيا” بإسطنبول حول تفسير سورة الفاتحة، وله مجموعة من المؤلفات، منها: “البريقة المحمودية في شرح الطريقة المحمدية” أربعة أجزاء، و”مجمع الحقائق” في أصول الفقه، وشرحه “منافع الدقائق”، و”حاشية على درر الحكام” في فقه الحنفية، و”شرح الرسالة الولدية للغزالي”، و”حقيقة كلمة التوحيد عند الكلاميين والصوفية”. (الزركلي: الأعلام، 7/68).

[2]  صحيح البخاري، الأدب، 50.

[3]  سنن أبي داوود، الأدب، باب حسن الظن، 4993.